المطرب الشعبي – تحليل ثقافي محاضرة قدمها الدكتور سمير بن عبد
الرحمن الضامر في افتتاحية مقهى الأحساء الثقافي بجمعية الثقافة والفنون بالأحساء
مساء الاثنين 11 محرم 1431هـ ، وذلك بحضورالدكتور سامي بن عبد اللطيف الجمعان مدير
الجمعية و كوكبة من المثقفين والأدباء والإعلاميين ، وتحدث الدكتور الضامر عن
البدايات للمطرب الشعبي من خلال مقدمة ورقة العمل التي طرحها ، وتطرق إلى مفهوم
الفن البدائي ، والأسس التي يقوم عليها هذا الفن ، كما أشار إلى فن الصوت في الخليج
، والمطربين الذين مارسوه في تلك الفترة ، ودلل على ذلك بأمثلة كثيرة وحوارات مع
بعض المطربين ، وبين الدكتور الضامر المطرب الشعبي وموقفه من النظام الثقافي ،
فماذا قال الضامر في محاضرته تلك :- والتي بدأها بمقدمة عن المطرب الشعبي قال فيها
:-
عرف الإنسان منذ القدم أنواعاً وأشكالاً مختلفة من الفنون
والإيقاعات والموسيقى, وظلت هذه الفنون مرتبطة بحياته وتطور أفكاره ورؤاه نحو
الطبيعة والكون, كما أنها شاركت في تأسيس منظومة اجتماعية وثقافية, وشكلت أبعاداً
إنسانية قوية الصلة, وغير قابلة للتفكك والانحسار.
ولعل أول سؤالٍ يحفزنا للمعرفة في هذه الورقة هو: لماذا كان الطرب الشعبي عصياً على
النسيان أو الزوال أو الانزياح؟
والإجابة عن هذا السؤال هي إجابة عن مجمل الفنون التراثية والفلكلورية التي توارثها
الإنسان منذ آلاف السنين ولاتزال باقية إلى هذا الحد!.
وهي إجابة عن سمات هذا النوع من الأدب الشعبي وكيف كان له القدرة على الصمود
واختراق الأزمنة مع كل ما حدث فيها من تطورات في الأديان والعقائد والمجتمعات
والسياسات..
وهي إجابة تحفز الأدب الحديث مع ما فيه من تراجع وانحسار لكي يعيد القراءة في ما
مضى ويتأمل العلامات الدالة والمحفزة لخلود الأدب وابتعاده عن كل أنواع العبث
والفوضى.
وللإجابة عن هذا السؤال لابد أن نعرف أن الطرب الشعبي هو فن بدائي. وهذا هو سبب
تماسكه وتواصله حتى هذا اليوم؟ ولكن مالمقصود بالفن البدائي الذي له هذه القدرة على
الاحتفاظ بالطرب الشعبي وبكل الأنواع الأدبية؟
إذا قلنا إن الطرب الشعبي هو فن بدائي فليس المقصود بالبدائية التي هي ضد التحضر,
بل كان الإنسان البدائي على قدر كبير من التحضر بحالات قد تفوق زمننا هذا! وإنما
نقصد بالبدائية تلك التي تقوم على نظام ونسق في الممارسة الحياتية, المرتبطة بالكون
والطبيعة, ولامكان للفن فيها أن يكون عبثاً وفوضى, بل كل ما فيه مبررٌ وله دلالته
وأسبابه التي دعت لذلك.
وللتوضيح مفهوم الفن البدائي –أيضاً- فهو الذي يقوم على
الأسس التالية:
• أن يكون شفاهياً تقليدياً.
• أن يرتبط بالطقوس والمناسبات والشعائر.
• إن تكون إيقاعاته مرتبطة بمحاكاة للطبيعة الكونية.
• أن يكون فيه إحساس بمرارة العيش وأزمة الوجود.
• أن يقدم معرفة وتواصلاً اجتماعياً.
إن الطرب الشعبي هو شيئ من الفلكلور أو المأثورات الشعبية, ( وهو التراث الثقافي
غير المكتوب والمتداول شفهياً بين الناس- وغالباً ما يكون مقصوراً على عامة الناس
من غير الأدباء والمثقفين ) اثنولوجيا الفنون التقليدية28 والشفاهية فيه هي نوع من
التواصل المباشر الذي يختلف عن الأنواع الكتابية, فالمطرب الشعبي استلهم فنه عن
طريق تواصله مع مطربين سبقوه فأخذ فنهم وطريقة أدائهم وحفظ الإيقاعات الصوتية وساهم
في تطويرها, وليس معنى هذا أن التقليد في الطرب الشعبي هو منقصة للإبداع بل على
العكس من ذلك, فلو تأملنا في "فن الصوت" في الخليج العربي لوجدنا على سبيل المثال
أن الأصوات معروفة وواحدة ومتشابهة, وقد غناها مطربون بالعشرات بل بالمئات, ولكن
الذي يختلف هو أداء كل مطرب عن الآخر, وعلى سبيل المثال: فإن صوت: "دمعي جرى في
الخدود" هو صوت يمثل التقليد الشفاهي في الفن, لكن أداء محمد فارس يختلف عن أداء
محمد زويد وعن أداء عوض دوخي وعن أداء حمد خليفة وعبدالله الرويشد, ونجد أن كلاً من
هؤلاء المطربين قد انتقل لهم هذا الفن عن طريق الشفاهية والتواصل من خلال الحفلات
وجلسات الطرب والمناسبات المختلفة, لدرجة أنه يصعب على الباحثين أن يرجعوا هذا الفن
لأصوله الأولى التي كانت, ولمؤلفيه الأوائل, ولمبتكري إيقاعاته التي دائماً ما ترد
إلى التأثيرات الثقافية الهندية والأفريقية, دون معرفة مؤلف موسيقي بعينه, ومن أجل
ذلك اكتسب هذا النوع من الفن أن يكون شعبياً, أي أنه مزيج من ثقافات متداخلة قديمة
وحديثة, إذا فالتقليد والشفاهية لايصنعها الأفراد والمطربون وإنما تصنعها الثقافة
وهذا ما يمكنها من الاستمرار والخلود.
وقد ارتبط الطرب الشعبي بالطقوس والمناسبات والشعائر, وهذه الطقوس تكون بمثابة
الرحم الذي يحتفظ بالفن, ويضفي عليه أبعاده وممارساته الجمالية والأدائية والجسدية,
فجلسات الطرب, ومناسبات الأفراح التي يقام فيها الفن تجعل من حالة الطرب حالة
إنسانية يتساوى فيها الجميع, ولامقام للتفريق فيها بين الطبقات, فالسيد هو الفن,
والمتلقون المستمعون كلهم عبيدٌ له وإن اختلفت أعراقهم وأجناسهم وطبقاتهم
الإجتماعية, كما أنه لايوجد في جلسة الطرب مكان للفقراء البسطاء ومكان آخر
للأغنياء, بل الجميع سواسية, وربما كانوا في حالة تواطئ وعدم معرفة شخصية فيما
بينهم وكأنهم في حضرة صلاة لا يريدون بطلانها والخروج عن نسقها.
كما أن الطقس يعيد الإنسان لعالم البداية أو الطفوله البشرية, وتراه مع الطرب في
حالة أشبه ما تكون بالغياب والفناء والتماهي مع المطلق, وهذا غير حالة اللاطرب التي
يكون فيها في قمة الحضور والوجود والممارسة العقلية.
وليس هذا الأمر في الطرب الشعبي فقط, بل نجده أيضاً في الطقوس الشعبية الأخرى
كالعرضة الزار والموالد النبوية والعزاءات الحسينية التي تكون طقوسها بمثابة محاكاة
للشعائر والعقائد القديمة التي يكون فيها الإنسان قرباناً للآلهة.
إن التأمل في سبب عصيان الطرب الشعبي على الزوال يدخلنا في خطورة هذا الفن وكيف
استطاع أن يجعل من الكون الكبير وسيلة لتحقيق الكون الصغير, وخاصة في استحضار أصوات
الطبيعة ومحاكاتها عبر الآلات الموسيقية المختلفة.
لقد سألت الفنان والمطرب المعتزل: حمد خليفة عن بداياته مع فن الصوت تحديداً فقال:
" في الأصل أنا كنت شاعراً, وأكتب الشعر العامي, ولكن الذي دفعني لهذا الفن هو
الايقاع الذي فيه, حيث إنني كنت أجلس كغيري في المقاهي ونسمع لمحمد بن فارس وضاحي
بن وليد فأشعر أنني أغيب عمن حولي, وكأن الايقاعات ترفعني من على الكرسي, وأظل
معلقاً بين السماء والأرض, وهذا هو سبب دخولي للطرب وقد تعلمت العزف بنفسي دون
معلم".
ولما تأملت شخصياً أداء حمد خليفة وإيقاعاته فوجدته مجنوناً, ومفتوناً ومطرباً
يشعرك بالخوف والخضوع لطربه, إن خوف حمد خليفة الذي جعله يبتعد عن الفن إنما هو
بسبب دخوله وجودياً في منظومة الكون الكبرى, فخشي على نفسه من التلاشي, ومع أنه
يدرك قيمة إبداعه, لكنه لم يدرك أنه يقوم بمحاكاة وممارسة لأصوات الكون والطبيعة,
ولذلك ترك واعتزل, ولي معه حديث ليس هذا مجاله..
إن الآلات الموسيقية البدائية كالعود والطبل والناي هي صدى
لأصوات كونية طبيعية كانت تشغل الإنسان من خلال أصوات حفيف الأشجار, وقصف الرعود,
وهدير الأمواج, وتغريد العصافير, ونوح الحمائم, وسماع العزف سواءً كان منفرداً أو
مع مجموعة فإنه يحقق حالة الوجود الكبرى التي يعيشها الإنسان, وتخلق في روحه صور
الحياة المثالية أو الافتراضية التي يحلم بها, ولم يستطع تحقيقها في الواقع, وهي
تقوم بإخراجه من حالة الحصار التي يعانيها, إلى حالة التعويض والمعالجة النفسية من
خلال الإيقاع الذي يشعره في النهاية بالراحة والاستقرار.
إننا لانحتاج إلى مزيد من التدليل على كون الطرب الشعبي يعطي المتلقي إحساسه بمرارة
العيش وأزمة الوجود وخاصة عندما يهيم المطرب في بداية أغنيته وينادي مع تقاسيم
المقام أو الموال قيقول: ياليل دانه.. أو ياليلي ياعيني .. أو آه يايبه.. أو ياسمر
لنا الله.. أو يتأوه : أووف أووف الخ.
إن المطرب المتأزم كان كثيراً مايبدأ أغنيته بالابتهال وسؤاله لله المعطي سبحانه,
ثم يدخل في ما هو سبب في تأزمه ومرارة عيشه, وخاصة هجر الحبيبة أو التشوق لها, أو
قسوة الزمن, وجور الأصحاب والخلان:
وانا بطلب الله وارجي الواحد المعبود
عليم الخفا اليم بعد ما خاب طلابه
يروف بحياة مولع ضامره منهود
يخاف الزمان يصك من دونه أبوابه
وانا ماذبحني كود غروٍ عيونه سود
خذ القلب من بين المعاليق واقفا به
وانا لي عشير كل يوم غلاه يزود
وحب العرب ينقص وهو زاد بحسابه
-2-
عند الحديث عن المطرب الشعبي في الثقافة العربية المعاصرة,
وخاصة في أقطار الجزيرة العربية, فإنه يجدر بنا أن نعرف أنه مرَّ بمراحل مختلفة,
كانت بمثابة طقس العبور الذي بدأ فيه المطرب حياته الفنية بكثير من المرارة والقسوة
أمام المصدات الاجتماعية والدينية, والمطرب الشعبي بوصفه فكرة وثقافة دون الحديث عن
أشخاص محددين, فقد مرَّ طقس عبوره بثلاثة مراحل هي: مرحلة الهامشية, ومرحلة العتبة,
ومرحلة إثبات الذات, وهذه المراحل هي ما انبنت عليه فكرة طقوس العبور كما هي عند
فان جينيب.
ولعل أهم فترة زمنية يمكن أن تتناولها هذه الورقة, وتتخذ منها نموذجاً ومحوراً
للحديث عن فكرة الطرب ومراحل العبور فيها, فهي فترة القرن العشرين, وخاصة في
نهاياته التي تشكلت لدى المطرب فيها مرحلتان أوليتان من مراحل العبور هما: الهامشية
والعتبة, أما المرحلة الثالثة وهي إثبات الذات فإنها جاءت مع الزمن الجديد أو زمن
الفضائيات والانترنت وكل أنواع العولمة, وهي التي أعادت الاعتبار للمطرب الشعبي وإن
كان قد مضى على موت بعض المطربين سنوات طوال ..., أو عاصر بعضهم بدايات العولمة
والفضائيات ولكنهم كانوا في الرمق الأخير من الحياة التي شارك فيها بعضهم..., وأعرض
عنها آخرون بسبب العزلة أو المرض أوالتدين....
في عام 1900م ولد المطرب والفنان محمد زويد في البحرين, وولد في نفس السنة المطرب
عبدالله فضالة في الكويت.. وقبل نهايات القرن توفي بشير حمد شنان سنة 1974م, وتلاه
عيسى الأحسائي سنة 1983م, ولم يأت عام 1998م إلا ويوسف فوني كان من آخر الراحلين
الذي أغلقوا باب القرن العشرين, ولتبدأ صفحة جديدة مع قرن العولمة الذي شهدت
بداياته وفاة سلامة العبدالله 2008م وحمد الطيار في 2009م رحمهم الله.
والحديث عن الطرب والمطربين في القرن العشرين وفي دول الجزيرة العربية تحديداً
يختلف عن دول وأقطار عربية أخرى كمصر والشام العراق, وذلك لكونها سابقة ومتقدمة في
وعيها بفكرة الطرب, ومكانة المطرب, بخلاف أقطار الخليج العربي والحجاز ونجد والتي
وإن كان الفن والطرب فيها قديماً وأصيلاً ومرتبطاً بفكرة الإنسان ووجوده إلا أن
العديد من الظروف الاجتماعية والدينية ساعدت على إغلاق دائرة الطرب لتكون داخل
دوائر محدودة, وبعيدة عن كل أشكال السلطة, كما أن أغلب المطربين الذين اشتهروا وصار
لهم حضورهم الفني فقد سعوا لتسجيل اسطواناتهم في العراق ومصر, وظلت هذه الأخيرة حتى
الآن مهوى أفئدة المبدعين والمنتجين لكل أنواع الفن والطرب.
-3-
المطرب الشعبي وموقعه في النظام الثقافي
المطرب الشعبي يعيش ضمن نظام ثقافي ساعد على تكوين شخصيته,
وشكل رؤاه في الفن والحياة, وهذا النظام الثقافي بكل مافيه من متناقضات فإنه يبرز
العالم الغريب الذي يجد المطرب الشعبي فيه نفسه مسوقةً نحو التقدم وإثبات الذات وإن
كلفه ذلك الكثير.
ويتمثل النظام الثقافي الذي يدور المطرب الشعبي في فلكه من خلال: [ الذات المطربة-
الخطاب الديني- الخطاب الاجتماعي ]
الذات:
المطرب الشعبي هو إنسان حالم ممتلئ بالأحاسيس, ومشاعر الحب, يعيش العشق والغرام في
تفاصيل حياته ليلها ونهارها, إنه لا ينتمي لحياة مستقرة وادعة, بل ينتمي لمدرسة
الفن يلهث وراءها, ويعيش صعلوكاً قلقاً متمرداً على كل أنواع السلطة, وذلك في سبيل
إرضاء ذاته وجمهوره الذين يحبهم ويحبونه.
والمطرب الشعبي بما يمتلكه من قوة الشخصية, وقوة الإبداع فإنهما يؤسسان لنظامه
الخاص ونسقه المختلف عن الآخرين- الذين لهم نظامهم الجمعي في التفكير والتسليم
والتواطؤ-, وهو بهذا التفرد يكون خارجاً عن الأنظمة الأخرى, ولا يخلص لنظام سوى
نظامه الذاتي والشخصي, ومن أجل ذلك فإنه يحقق سلطته على الآخرين, ويسحب الأضواء من
شخصيات اجتماعية مهمة تسعى بدورها فيما بعد لمحاربته وإبعاده عن ساحة المنافسة!
إن ذات المطرب المبدعة هي التي تجعله أمام مسؤلية كبيرة؛ تلك المسؤلية هي التي تشكل
له الرؤية, وتقدمه بوصفه مدركاً وممارساً للغة فنية كونية لا يجيدها إلا مبدع مثله
أو يفوق عليه, ولغة المطرب التي يجيدها هي لغة ليست كاللغات, إنها لغة الموسيقى
التي يتلقاها كل إنسان مهما كان جنسه وعرقه, إنها لغة الأرواح المتعبة, والقلوب
الهائمة, الباحثة في الموسيقى عن ملاذٍ آمن للحب الطمأنينة والحنين والحرمان,
والمطرب الشعبي بإجادته لهذه اللغة الصعبة فإنه يكاد يكون شيطاناً, أو ابن *** كما
يصفه المجتمع, وهو سيدٌ في الغواية, وأستاذٌ ماهر في ممارسة لعبتها وأبجديتها, إنه
بأدائه الصوتي, وبعزفه لمختلف المقامات كفيل بأن يوقع المتلقي في دائرة الحزن
والفرح والنشوة والهيام والتلبس والغياب, وهذه أمورٌ لا يتقنها إلا الساحر, ولهذا
فقد كان المجتمع- كل المجتمع- يدرك هذه القوة التي يملكها المطرب, وكأنها تقترب من
قوى السحر أو الشياطين, وهم بهذا الإدراك, وهذه الأوصاف التي يخلعونها على المطرب
فإنهم يجعلون منه شخصاً أسطورياً, يتلقفون حكاياته, ويروون مغامراته, ويحلمون
بالأمنيات والأحلام من خلال كلماته وأغانيه التي تحركهم كالدمى, وتراهم يلقون
بأنفسهم في جلسة الطرب كقرابين بشرية تستجدي رضا الهوى ونوازع القلوب, ولا يستطيعون
الفكاك من سحرها وقوتها إلا بعد رقصة مليئة بالزفن و الإرتعاشات.
إن لعبة الغواية التي يتقنها المطرب
الشعبي تتمثل في أمور عديدة منها:
• أن الفن ممارسة محرمة كما عند الخطاب الديني,
• أن المطرب يجعل المتلقي في حالة عري داخلي, فيكشف ويفضح الانسان المخبوء فيه.
• أن المطرب يغوي جمهوراً كاملاً عن حاجات ومسؤوليات شخصية واجتماعية, وتبعدهم كذلك
عن أناس آخرين لهم حضورهم الذي يخافون زواله بسبب سيطرة المطرب على الجمهور.
• أن المطرب يزين لنوع من أنواع الخطأ, وكسر المحظور الاجتماعي والتمرد عليه.
ومن هنا تنشأ المعركة النفسية بين المتحاربين على هذا الجمهور, فالمطرب الشعبي
يلامس في الجمهور جوانب الحياة, وربما عرض لأهوائهم ورغباتهم الشخصية والعاطفية,
وهو بذلك يحرك الخيال والنوازع والرغبات بكل مافيها من تفاصيل صغيرة وكبيرة, مهمة
وتافهة, ومن تلك الموضوعات: المرأة والحب والغزل, والحارات والأماكن الأثيرة
والقريبة والجالبة للذكريات, والمغامرات العاطفية وربما الجنسية, وذكر السيارات
وموديلاتها, وأشياء كثيرة كان ذلك المطرب يقرنها في بداية أغانيه بذكر الله والصلاة
على رسوله صلى الله عليه وسلم, وهذا نوع من توليف وتركيب المقدس بالمدنس أوالدنيوي.
الخطاب الديني:
وما دام المطرب يعيش بهذه السلطة الإبداعية فإن نظامه لا
يمكن أن يكون مستقراً وبعيدا عن الاضطرابات, بل لابد من وجود نظام آخر يجاوره
وينازعه مجده, بل ربما سعى وحاول بكل جهده أن يقضي عليه ويطمسه طمساً, وذلك النظام
هو نظام الخطاب الديني, والخطاب الديني نوعان: الأول هو الخطاب الديني المتشدد,
والآخر هو الخطاب الديني المتسامح كما هو عند المتصوفة التي يكون الغناء والطرب من
ضمن الأولويات المعينة والدافعة للوصول من خلال الطريقة إلى الحق والمطلق, ولهم في
ذلك فلسفتهم ونظريتهم.
أما الخطاب الديني الأول فهو الخطاب الذي يرى أن الغناء يدخل في دائرة الحرام, وأنه
يستوجب العقوبة الإلهية, وأن الحياة بحاجة إلى مجاهدة هذه المنكرات وطمسها من أجل
سيادة حياة طاهرة مماثلة لما كان عليه السلف, ويظل الخطاب في حالة من القلق
والتوتر, ولا يطمئن إلا بمطاردة المطربين وتشتيت فرقهم, وتكسير آلات المنكر
والمعازف, ومع الأسف فإن الحقيقة قد توقفت عند محاربة الغناء محاربة شديدة, ولم
تتوسع الرؤية للنظر في أمور أكثر أهمية على المستوى الإنساني والحضاري.! ونظام
الخطاب الديني لا يبعد عن نظام المطرب الشعبي بل
يتوافق معه في أمور متعددة أهمها:
1. أن الطرب الشعبي والخطاب الديني يمارسان آلية واحدةً وهي آلية الإرسال.
2. أن الفئة المستهدفة من خطاب المطرب والخطاب الديني هي الجمهور.
3. أن الطرب الشعبي والخطاب الديني يمارسان أسلوب الوصاية؛ بمعنى أن المطرب يفرض
وصايته من أجل إغواء الجمهور, والخطاب الديني يفرض وصايته من أجل هدايته, وليس هذا
فحسب بل تراهما يتبادلان الأدوار, حيث إن المطرب يكون هادياً الجمهور لطبيعتهم
البشرية وإنسانيتهم التي لا يستطيعون الخروج منها, والخطاب الديني يكون غاوياً
الجمهور ليبتعد عن طبيعته البشرية وإنسانيته ليكون كالملائكة! والهداية والغواية
على هذا الأساس هي من سمات الخطابين وأسلوبهما في تعزيز التطرف وإن اختلفت الطرق
والمعاني المؤدية لهما.
4. أن الغاية من غايات الطرب في النهاية هي الوصول لـ" التطهير" كحالة ارتياح وعلاج
نفسي للمرسل والمتلقي في آن واحد, وكذلك فإن الغاية من غايات الخطاب الديني في
النهاية هي الوصول لـ" التطهير" الذي يريد أن تكون الحياة عامرة بالطاعة والإيمان
ودحر مزامير الشيطان.
الخطاب الاجتماعي:
قُدِّر للمطرب الشعبي أن يكون هامشياً ومنبوذاً وخاصة في
المجتمعات التي تتمتع بتمسكها بتقاليد وأفكار تنبذ فكرة الفن والطرب, وبغض النظر عن
المرجعيات الفكرية والدينية والاجتماعية التي تتبناها تلك المجتمعات في طرد وإقصاء
فكرة الفن والطرب, فإنه لاتزال هناك مجتمعات وصل الوعي لديها مبلغاً ارتفعت من
خلاله بتقدير الفن والطرب واعتبرتهما ثروة قومية ووطنية ومرجعا من مراجع الهوية
المشكلة للأبعاد الإنسانية المختلفة في تلك المجتمعات, وحصل للفن في تلك المجتمعات
من العناية والتقدير والتوثيق وحفظ الحقوق ما شكل فيما بعد تراثاً قام على العديد
من أسماء أهل الفن والطرب وصاروا رموزاً وأيقونات تضيف للأوطان رمزية أكبر وأعمق,
وعلى سبيل المثال ماهي مصر من دون عبده الحامولي سيد درويش ومحمد عبدالوهاب وأم
كلثوم؟ وماهي العراق من دون محمد القبنجي وحضيري عزيز وداخل حسن وزهور حسين وناظم
الغزالي؟ وماهي الشام من دون صباح فخري؟ وماهي البحرين من دون محمد بن فارس وضاحي
بن وليد ومحمد زويد وعلي خالد وأحمد الجميري وابراهيم حبيب؟ وماهي الكويت من دون
عبداللطيف الكويتي وعبدالله فضالة وعوض دوخي وحمد خليفة؟ وماهي اليمن من دون
ابراهيم الماس ومحمد ناجي المرشدي وفيصل علوي.. وما هي السعودية من دون طارق
عبدالحكيم ومحمد عبده وسلامة العبدالله وبشير شنان, وغيرهم
إن ما ذكر يدلنا على ما يمكن أن يعطيه الفن ورمزيته للأوطان من خلال الرموز الفنية
والطربية, وأنها تستطيع أن توائم وتوازن بين مختلف الخطابات لترتفع بفكرة الإنسان
ورقيه الحضاري في الحياة, لكن ذلك لم يكن تماماً, وإن وجد في بعض الأوطان إلا أنه
عُدم في أكثرها, وظلت أوطان وأقطار الجزيرة العربية تعيش القلق والخوف بسبب حرب
الأنظمة الثقافية التي أجهضت فكرة النمو الحضاري والإنساني, وشغلت الأنظمة الثقافية
بحروبها بعيدة عن المهمات والضروريات, وهذه الأنظمة الثقافية تتمثل في: [ الذات
المطربة- الخطاب الديني- الخطاب الاجتماعي ]
إن حروب الأنظمة الثقافية تشير إلى نوع من حالة ثقافية مفتعلة للعنف, وهي التي ينشأ
فيها الطرب الشعبي الذي لم يعترف به من قبل المؤسسات الرسمية الدينية, أما بالنسبة
للخطاب
الاجتماعي وحالته مع الطرب فهي على ثلاثة
أنواع:
1. فئة تشجعه وتمارسه وتسعى لحضور مجالسه وطقوسه وتقوم بتسجيله وتوثيقه بأشكال
مختلفة وبسيطة وبدائية.
2. وفئة تعلن تبرأها منه ظاهرياً, لكنها تحب ذلك النوع من الطرب وتسمعه على مرأى
ومسمع في بعض الجلسات والسهرات الخاصة.
3. وفئة ثالثة تمنعه منعاً قطعياً وتجعل من ذلك المنع ديناً وعقيدة.
إذاً نحن بإزاء حالة اجتماعية مختلفة المشارب والأهواء,
وتفرضها فكرة المقدس والمدنس التي يراها الإنسان وينظر من خلالها, ويدور في فلكها
ويعيش من أجلها, وتقوم على مبدأ المراوغة من قبل البسطاء, وعلى مبدأ القوة والسلطة
من قبل من بيده الأمر, وهذان الأمران لم يفلحا في منع الطرب منعاً تاماً وقاطعاً,
ولم يمنعا فئات المجتمع مع مرور الزمن من أن تسير ضمن نسق ونظامٍ تشكلت عليه, وصارت
تخاف أن تمارس حياتها بمنتهى الصدق والعفوية, وصارت تلبس الأقنعة وتمارس أنواعاً
مختلفةً من البلاغة والتورية الكلامية والشعرية وتجعل منها وسيلة صدٍ وتقيا...
وفي هذه الحالة الاجتماعية التي تحيط بالمطرب, كان لابد له – وهو الذي يعيش تحت
وطأة المجتمع- أن ينتصر لهامشيته, ويصنع له بطولة من خلال الفن أو الطرب, وخاصة بعض
المطربين الذين يعدون من الطبقات الغير معتبرة اجتماعياً, ولذلك يحاول أن يكون
مطرباً من أجل التمرد على القيم والعادات الاجتماعية التي فرضت عليه, أو من أجل
إثبات ذاته التي تكتنز برصيد من الإبداع الإنساني والفني والجمالي, ويضمن لنفسه
مكاناً في الإرتفاع والحضور والتقدير.
إن فكرة الثورة على الطبقات الاجتماعية فكرة محرمة اجتماعياً, وفيها خرق لنسق
المجتمع ونظامه الذي يرى بضرورة بقاء السيد وسلطته على المسود, ولعلنا في هذا الصدد
أن نشير إلى مطرب شعبي عاش الحالتين؛ حالة الهامش الاجتماعي, وحالة الانتصار عن
طريق الفن, وذلك هو المطرب ضاحي بن وليد. يقول الفنان إبراهيم حبيب:
( قصة ضاحي بن وليد قصة حقيقية تمثل صورة من أجمل صور الكفاح الفني, وتصور كذلك كيف
يرفع الفن من قدر الإنسان ويضعه في مكانة لاتيسر لغيره إطلاقاً مهما ارتكز على بعض
المسلمات كالأنساب والثروة.
ضاحي فنان بدأ من قاع المجتمع, وأقسى من ذلك نظرة المجتمع في ذلك الوقت لهذه
النوعية من البشر من حيث اللون ومن حيث المهنة, فضاحي كان والده خادماً وأمه كذلك,
وجزءٌ من حياته قضاها خادماً, وهو أمر ... كان عرفاً سائداً لهذه الفئة أن تكون من
الخدم والعبيد, واخترق ضاحي بن وليد كل هذه الإسقاطات في مجتمعه وفجرها غناء حزيناً
سلساً جميلاً يدخل القلب ويذيبه من كمية الإحساس التي يصدرها صوت ضاحي بن وليد, وظل
ضاحي سنوات من عمره على هذا المنوال يسمع ويطيع ... فهو مولى لأسرة الخليفة
الكرام..
بدأ ضاحي بن وليد ضارباً على الايقاع "مروس" للفنان محمد فارس, وكان خادمه منذ
الصغر, ... وحدث أن خرج محمد فارس في ليلة من الليالي تاركاً أصحابه من الفرقة لكي
يدخن سيجارة أو يقضي حاجة عليه, وكان يتأخر في أخذ الاستراحة, ويجلس ضاربوا الايقاع
في انتظاره, فطلبو من ضاحي أن يغني صوت "مال غصن الذهب" الذي كان يغنيه محمد فارس
منذ لحظات بصوته, فأخذ ضاحي العود وأخذ يدندن بصوت منخفض على الإيقاع, وفجأة فتح
الباب بقوة وإذ هو محمد فارس الذي عاد مسرعاً على غير عادته وذهل عندما رأى ضاحي
ممسكاً بالعود يغني, وغضب من ذلك كثيراً وقام بطرد ضاحي ومن معه ) رواد الغناء في
الخليج والجزيرة العربية 64-67 وصارت علاقتهما متوترة, وظل ضاحي يسترق السمع لدار
محمد فارس ويأخذ ألحانه ويسبقه في الغناء, إلى أن قابله محمد فارس وقال له: هذا
اللحن من دار أمك والادار ابوك؟ ورفع فنجاناً ورماه به فكسر أسنانه! وامتنع بن فارس
من حضور الدار فحل محله ضاحي وصار بعد ذلك الفنان والمطرب المرغوب والمطلوب.
وقصة أخرى تبين لنا كيف استطاع الفنان عوض دوخي الدخول لعالم
الطرب وهو في سن صغير, وكيف أن نواخذة البحر هزأوا به يوم رفض أن يعمل بحاراً,
وقال: أنا موبحار أنا مطرب! فقال له النوخذة: إنت إنت !؟ فقال وأبي قلاطه وربع ومية
روبية, فقال النوخذة سنجربك وتعال انت معزوم عندنا ليلة الجمعة في مكان طرب وسمر,
يقول عوض: ودخلت وإذ بحنافيش البحر وكلهم رجال كالبعارين وأنا صغير وأخذو يضحكون
علي وعلى عودي الذي لففته بلوزار, والي يضحك والعرق يتصبب مني , وعلى طول وارشخهم
بصوت "ياغصين البان" قبعت المراويس وقامت الكفوف, وغنيتهم صوت "يشوقني برق" وبعدين
غنيت لام كلثوم .. واعترفوا بي وخرجت في رحلة البحر مطرباً وليس بحاراً.
إن الحديث عن المطرب الشعبي طويل, وليس له حدود, ولربما يستحق كل مطرب من المطربين
الشعبيين دراسة مستقلة, ولعل ذلك يكون من خلال ما سأكتبه في مشروعي القادم عن "فن
الصوت قراءة انثربولوجية", كما أحفز غيري من الباحثين والمطربين من الكتابة بتجرد
وحرية وتسجيل سيرهم وتجاربهم. وفي نهاية محاضرته فتح باب الحوار والمناقشة والأسئلة
من الحضور والتي أجاب عنها المحاضر بكل رحابة صدر . |