ألمح الشاعر و المسرحي سامي الجمعان إلى حدوث أمرٍ مثيرٍ لابدّ من الانتباه إليه في تعليقه على جملة مداخلات قدمها حضور أدبي الشرقية
في محاضرة عن «ألف ليلة وليلة»
ألباب كاظم - الدمام المصدر ( جريدة اليوم )
في أمسية الثلاثاء الماضي بعد قراءته لورقة تحت عنوان(ألف ليلة وليلة..سحر السرد وتجلياته الدرامية). يتجلى ذلك الأمر في تقديم أربعة تفسيرات متباينة من قبل فؤاد نصر الله وفوزية العيوني ووليد حرفوش وعبد الله الوصالي، حاولت الوقوف على حقيقة قصة شهرزاد وهو يؤكد ما طرحه في ورقته من انفتاح «ألف ليلة وليلة» كنص على عدد كبير ومتباين من الرؤى الرمزية والنفسية والاجتماعية بحيث تستعصي على الحصر في تفسير واحد وعلى التوظيف في شكل واحد. وعدّد المسرحي الجمعان في جوابه على تساؤل مقدّم الأمسية أحمد الملا عن الطبعات المتواجدة لألف ليلة وليلة تلك الطبعات بقوله: «هناك طبعات لكلٍّ من:كلكتا،وبروسلو،والقاهرة، وبيروت، وباريس، واسطنبول،وأخيرا طبعة بولاق المنقحة حيث لم يسلم الكتاب من بعض التغيير في ذلك التنقيح».
افتتح الجمعان ورقته قائلاً: «إن ألف ليلة وليلة تشترط صراعًا عنيفًا بين المرأة والرجل بدءًا من عودة شهريار الملك من سفره ليفاجأ بخيانة زوجته له مع أحد عبيد القصر فتبرز الإشكالية الأولى المتمثلة في قيام شهريار من أجل الانتقام لرجولته بإعدام كل فتيات البلاد في حين ارتكب هو نفس الإثم/الخيانة مع فتاة كان يحملها العفريت حين رحل مع أخيه عن البلاد».
ووصف الجمعان كتاب «ألف ليلة وليلة» بالمميز لأنه تحول إلى نسق ثقافي تغلغل فينا فشكل الشخصية العربية ثم تجاوزها إلى تشكيل الشخصية الأوروبية وغيرها أيضًا،بينما نظرنا إليه نظرة دونية واعتبرناه الكتاب الذي يمثل الناس الكادحين والمقهورين ونفيناه من الأدب الرسمي الموسوم بالارستقراطي فصار الكتاب خارج نطاق البحث والدرس الأكاديمي.
وأشار المحاضر إلى أن الغرب تنبه إلى جمال هذا الكتاب قبلنا إلى حدِّ تشبيهه بالكنز الذي لا مثيل له. ومضى الجمعان قائلا ان ألف ليلة وليلة كتاب نجد فيه جميع المجالات العلمية والمعرفية. وأوضح أنه عنى بالنسق أن الحكي صار لدينا نحن العرب متسيّدًا من خلال ألف ليلة وليلة ، وذلك في رده على مداخلة عبد الله الوصالي الذي أشار إلى المبالغة في قول المحاضر إن «ألف ليلة وليلة» شكل النسقين الثقافيين في الشرق والغرب.
ثم قرأ الجمعان قصة «الصياد والسمكة»، وأضاف: «يخلق هذا الكتاب عند المسرحيين العرب جاذبية عظيمة فيتقاطرون على حكاياته لتوظيفها في مسرحياتهم لما تزخر فيها من خصائص درامية بحتة يتمثل فيها الصراع الدرامي والطقوس والشخصيات ذات الطابع الأسطوري وموضوعات شمولية عميقة ذات صراعات إما مع المجهول والقوى الطبيعية أو مع الاحتياجات النفسية والروحية لشخوص الحكايات وأفعال فرضت نفسها منذ انفتح في قصة(الصياد والسمكة) المنظر على البحر»، مما جعل الدكتور مبارك الخالدي يلفت إلى صراع أخير لم تتطرق إليه الورقة وميدانه ذهن المتلقي وأضاف:هناك صراع بين صورتين،صورة شهرزاد الحائزة على مخزون الحكايات والمعرفة فأبدعت في توظيفها لتدفع عنها الموت وبين شهرزاد المتماهية مع النسق الذكوري ويتجلى في إنتاجها تمثيلات انتقاصية للمرأة. فالمرأة في الليالي موصومة بالشبق والشهوانية والخيانة، وتتشابه صورتها مع صورة مع الآخر الأسود كما يوضح الدكتور نادر كاظم. فوجد الجمعان الصراع الذي لفت إليه الدكتور مبارك عجيبا يدل على أن الحكاية برمتِّها عجيبة خصوصا في طواعيتها على التشكِّل مسرحيًا.
وأضاف إلى مداخلة فؤاد نصر الله حول أبي خليل القباني وتوظيفه لحكايات ألف ليلة وليلة أن القباني لم يضع سوى رتوش بسيطة على الحكايات التي وظفها وأطلق على عمله(مسرحة الحكايات) في حين أطلق على عمل سعد الله ونوس(تأصيل الليالي)لأنه اشتغل واستفاد فنيا من الليالي على مستوى الشكل والمضمون بينما قدمها مارون النقاش ممسرحة ببساطة كما هي. ثم أشار المحاضر إلى شهوة الكلام والحكي لدى شخصيات ألف ليلة وليلة مستشهدًا بحكاية(علي العجمي والكردي)، وإلى أهمية الحكاية إلى درجة كونها معادلة للحياة فهي بمثابة طوق النجاة إذا تعرض أحد الشخوص إلى مأزق فأن تحكي يعني أن تحيا وأن لا تحكي فمصيرك الموت. وردا على تساؤل الشاعر عقيل المسكين عن غياب صراع القيم/الخير/الشر/العدل في المحاضرة، أجاب الجمعان : «إن ورقتي مختزلة بشكل كبير،وإلاّ فإن الصراع الأساسي الذي وضعت تحته التصنيفات التي استمعتم إليها هو الصراع بين الخير والشر».
وتابع في رده على مداخلة فوزية العيوني التي تساءلت بدورها عما إذا كانت ورقة الجمعان تضمنت بحثا حول الآراء التي زعمت أن كاتب الليالي ذكر وليس أنثى قائًلا: «لا أعتقد أن كاتبتها امرأة ولا أعتقد أنه رجل وسيبقى الجواب معلقًا». وعبر الجمعان عن انبهاره بتقنية التصوير البصري الدرامي الذي يهيئه رواة الليالي لقرائه فتكون القراءة أشبه بمشاهدة فيلم سينمائي،وزاد الأمر إدهاشًا حينما قال عن كتاب ألف ليلة وليلة: «كتاب يقال إنك إذا قرأته كاملاً فمصيرك الهلاك والموت،وأبشركم بالرغم من بحثي فيه لم أستطع أن اقرأه كاملاً».